ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

224

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

فجرّد يا هذا عزمك ، وشد وسط حزمك ، ودعني من خطبك ، واذبح نفس نفسك بمدية خوفك وسكين قيامك ، فيا حبيبي من لم ينخلع عن طرزه ويخرج عن نفسه ويأتي هو بلا هو ، فيجد عند ذلك هو وقد بالغت لكم جهدي ونصحت لكم غاية نصحي ، فإذا اتبعتم أفلحتم ورشدتم وارتقيتم درجة في أعلى عليين ، فاعمل لعل أن تكون من أهل الصلاح والفلاح والنجاح والأرباح الذين عادت أرواحهم روحانية لطيفة نورانية خفيفة جوالة تجول في الملكوت وتشاهد الحي الذي لا يموت ، والحب لها في جميع الأشياء قوت ، وهي تنظر عجائب غرائب ما يكون عن الأمر المكنون ، فإذا حفظت يا هذا الشرائع المحمدية والحقائق الإلهية والأخبار النبوية والعلوم المرضية والسنة المحمدية كان لك ما هم فيه ، وشربت من بحر هم فيه يعومون ويسبحون شربوا من زلاله فهم شاكرون ، وغرقوا في قعره فهم محققون علما علم مولاهم صدقهم ووفاءهم ورقة قلوبهم وما هم عليه سائرون رزقهم وأعانهم وأغاثهم ، وأنزل في كتابه العزيز على لسان نبيه الكريم : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ( 2 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ( 4 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 6 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 7 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 9 ) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ( 10 ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 11 ) [ المؤمنون : 1 - 11 ] فهذه نصيحتي لسائر المسلمين الذين يتبعون طريق هداهم ، ويقصدون رضا مولاهم الذي خلقهم وصوّرهم ورزقهم وأنشأهم وكفلهم في بطون أمهاتهم ورباهم ، وأخرجهم من ظلمات الأحشاء وبالإسلام هداهم ، فأهل السعادة بعمل أهل السعادة يعملون ، فلما تحركت أشجار المعاملة بين العبد وبين ربه حركتها العناية السابقة الأزلية الأولية ، قامت الأعضاء طائعة للقلب خارجة عن الذنب منعكفة على طاعة اللّه شعارها التقوى متحفظة من السمعة والعجب والرياء والكبرياء وحب الدنيا ، فالبس يا ولدي قميص الغفر النظيف الطريف يا ولدي ويا أخي ما هو بلبس الثياب ولا بسكن القباب ، لكن واللّه يا ولد الشيخ ليس الفقير بالخانقان ولا بالزوايا ولا بلبس العباءة ولا بلبس القبا ولا بالأرزاق ولا بلبس الصوف ، ولا بالنعل المخصوف لكنه إذا أخلصت عملك في قلبك ، ولبست ثوب صدق عزمك ، واحتزمت إيمانك ورفقك ، صار عملك كله في قلبك كان لك فائدة وربحا ونار ذلك ، فأضرم سره وأحرق الحشى جواه فما رقيق الثياب يغني ولا خشنه ؛ لأن القلب إذا ملىء خوفا من اللّه ومحبة اللّه اشتعلت نيران المحبة فيه ، ونار وقويت فيه الأنوار ، فيعود جميع